السيد هادي الخسروشاهي
107
قصة التقريب ، أمة واحدة ، ثقافة واحدة
الدعوة كلّ رقعة فيها للدعوة مصلحة ؛ وبعد أن انتزع من النفوس كلّ معاني التعصّب والخلاف ، غرس فيها مبدأ العمل للإسلام في كلّ مكان ، وعلى نهجه سار المخلصون من المسلمين . كان يستطيع أن يبقى بمكة عزيزاً موفور الثراء ، ألم يعرضوا عليه المال فأبى ؟ ألم يعرضوا عليه الجاه فرفض ؟ إنّه رجل الدعوة ، إنّه رسول اللَّه ، إنّه لن يترك دعوته أو يقصّر في أداء رسالته ، ولو وضعوا الشمس في يمينه والقمر في يساره ، ذلك فناء الذات في الفكرة ، وذلك أسمى مراتب الكمال . لقد رأى أنّ البقاء بمكة لا قيمة له ولا وزن ما دامت كلمة التوحيد ليست هي العليا ، فهاجر ، وبهجرته امتدّت الدعوة الإسلامية ، واتّسع نطاقها ، وتخلّص وطن المسلم من النطاق الضيق المحدود . ومن المؤسف أنّنا إليوم في نظرتنا الوطنية ، نقف عند الحدود الضيّقة التي فرضتها علينا الحروب الداخلية أو الخارجية ، أو الثورات أو الاستعمار الأجنبي ، فحين ننادي بالوطنية ، إنّما نعني البقعة التي نعيش فيها أو ننتسب إليها ، ونسينا أنّ صاحب الهجرة حدّد وطن المسلم يوم هجرته بأنّه كلّ بلد تسمع فيه كلمة التوحيد ، ويوجد فيه من يتّخذ الإسلام دينا . كذلك نحن نهاجر اليوم ، ولكن لا من الكمال إلى الأكمل كما كانت هجرة الرسول ، وكما ينبغي أن تكون هجرة المسلم العارف لدينه ، وإنّما نهاجر من الحسن إلى السيّء ، ومن السيّء إلى الأسوأ ، نهاجر عن عاداتنا وتقاليد ديننا ، إلى عادات وتقاليد منافية ، بل جاهلية وبربرية بأصحّ تعبير ، ونحسب أنّنا نسير إلى تقدّم ومدنية ، مع أنّنا نتدهور ، ونهوى إلى الحضيض . ليست هجرة الرسول قصة تُقرأ ، ويُردّد أمرها ، ويرجع حديثها فحسب ، وإنّما هي نموذج عملي خالد للهجرة إلى المبادئ السامية والمثل العليا التي تضمن للفرد العزّة والرقي ، وتضمن للدولة النهوض والسؤدد .